الشيخ الطبرسي

155

تفسير مجمع البيان

القيامة ( فلا يظهر على غيبه أحدا ) أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده . ثم استثنى فقال : ( إلا من ارتضى من رسول ) يعني الرسل ، فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب ، لتكون آية معجزة لهم ، ومعناه : إن من ارتضاه واختاره للنبوة والرسالة ، فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه ، على حسب ما يراه من المصلحة ، وهو قوله : ( فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) والرصد : الطريق . أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء والسلف ، وعلم ما يكون بعده طريقا . وقيل : معناه أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول ، فيجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة ، يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين ، فتلقيه إلى الكهنة . وقيل : رصدا من بين يدي الرسول ومن خلفه ، وهم الحفظة من الملائكة ، يحرسونه عن شر الأعداء وكيدهم ، فلا يصل إليه شرهم . وقيل : المراد به جبرائيل أي يجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا كالحجاب ، تعظيما لما يتحمله من الرسالة ، كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم ، تشريفا له . وهذا كما روي أن سورة الأنعام نزلت ومعها سبعون ألف ملك . ( ليعلم ) الرسول ( أن قد أبلغوا ) يعني الملائكة . قال سعيد بن جبير : ما نزل جبرائيل بشئ من الوحي إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة ، فيعلم الرسول أنه قد أبلغ الرسالة على الوجه الذي قد أمر به . وقيل : ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات الله ، عن مجاهد . وقيل : ليعلم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الرسل قبله ، قد أبلغ جميعهم ( رسالات ربهم ) كما أبلغ هو إذ كانوا محروسين محفوظين بحفظ الله ، عن قتادة . وقيل : ليعلم الله أن قد أبلغوا ، عن الزجاج . وقيل : معناه ليظهر المعلوم على ما كان سبحانه عالما ، ويعلمه واقعا ، كما كان يعلم أنه سيقع . وقيل : أراد ليبلغوا فجعل بدل ذلك قوله ليعلم إبلاغهم توسعا ، عن الجبائي . وهذا كما يقول الانسان ما علم الله ذلك مني أي ما كان ذلك أصلا ، لأنه لو كان لعلم الله ذلك ، فوضع العلم موضع الكون . ( وأحاط بما لديهم ) أي أحاط الله علما بما لدى الأنبياء والخلائق ، وهم لا يحيطون إلا بما يطلعهم الله عليه ، مما هو عند الله . ( وأحصى كل شئ عددا ) أي أحصى ما خلق ، وعرف عدد ما خلق ، لم يفته علم شئ حتى مثاقيل الذر والخردل ، عن ابن عباس . وقيل : معناه عد جميع المعلومات المعدومة والموجودة